محمد بن جرير الطبري

554

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وإنما خاطب الله جل ثناؤه بقوله : " يا بني إسرائيل " أحبارَ اليهود من بني إسرائيل ، الذين كانوا بين ظَهرانَيْ مُهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنسبهم جل ذكره إلى يعقوب ، كما نسب ذرية آدم إلى آدم ، فقال : ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) [ سورة الأعراف : 31 ] وما أشبه ذلك . وإنما خصّهم بالخطاب في هذه الآية والتي بعدها من الآي التي ذكَّرهم فيها نعمَه - وإن كان قد تقدّم ما أنزل فيهم وفي غيرهم في أول هذه السورة ما قد تقدم - أن الذي احتج به من الحجج والآيات التي فيها أنباء أسلافهم ، وأخبارُ أوائلهم ، وَقصَصُ الأمور التي هم بعلمها مخصوصون دون غيرهم من سائر الأمم ، ليس عند غيرهم من العلم بصحته وحقيقته مثلُ الذي لهم من العلم به ، إلا لمن اقتبس علم ذلك منهم . فعرَّفهم باطلاع محمّد على علمها - مع بعد قومه وعشيرته من معرفتها ، وقلة مزاولة محمد صلى الله عليه وسلم درَاسةَ الكتب التي فيها أنباء ذلك ( 1 ) - أنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم

--> ( 1 ) قوله : " وقلة مزاولة محمد صلى الله عليه وسلم دراسة الكتب . . . " ، هو كما نقول اليوم في عبارتنا المحدثة : " وعدم مزاولة محمد . . . " . قال الجاحظ في البيان والتبيين 1 : 285 : " واستجار عون ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، بمحمد بن مروان بنصيبين ، وتزوج بها امرأة فقال محمد : كيف ترى نصيبين ؟ قال : " كثيرة العقارب ، قليلة الأقارب " . يريد بقوله : " قليلة " ، كقول القائل : " فلان قليل الحياء " ، وليس يريد أن هناك حياء وإن قل . يضعون : " قليلا ، في موضع " ليس " . انتهى . قلت : ومنه قول دريد بن الصمة في أخيه : قَلِيلُ التَّشَكِّي للمصيبات ، حافظٌ . . . مِنَ الْيَوْمِ أعقابَ الأحاديث في غَدِ وسيأتي قول الطبري في تفسير قوله تعالى من ( سورة البقرة : 88 ) " فقليلا ما يؤمنون " : ( 1 : 324 ، بولاق ) : " وإنما قيل : فقليلا ما يؤمنون ، وهم بالجميع كافرون ، كما تقول العرب : " قلما رأيت مثل هذا قط " . وقد روى عنها سماعًا منها : " مررت ببلاد قلما تنبت إلا الكراث والبصل " ، يعني ما تنبت غير الكراث والبصل ، وما أشبه ذلك من الكلام الذي ينطق به بوصف الشيء بالقلة ، والمعنى فيه نفي جميعه " ، انتهى . وفي الحديث : " إنه كان يقل اللغو " أي لا يلغو أصلا ، قال ابن الأثير : وهذا اللفظ يستعمل في نفي أصل الشيء ( اللسان : قلل ) . ولولا زمان فسد فيه اللسان ، وقل الإيمان ، واشتدت بالمتهجمين الجرأة على تفسير الكلمات ، وتصيد الشبهات - ولولا أن يقول قائل فيفتري على الطبري أنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدارس كتب أهل الكتاب ، لكنت في غنى عن مثل هذه الإطالة .